ابن قيم الجوزية
43
عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين
[ فصل ] وهاهنا نكتة بديعة يجب التفطن لها وينبغي إخلاء القلب لتأملها وهو أن هذا المغرور لما أذل سلطان الله الذي أعزه به وشرفه ورفع به قدره وسلمه في يد أبغض أعدائه إليه وجعله أسيراً له تحت قهره وتصرفه وسلطانه سلط الله عليه من كان حقه هو أن يتسلط عليه فجعله تحت قهره وتصرفه وسلطانه يسخره حيث شاء ويسخر منه ويسخر منه جنده وحزبه فكما أذل سلطان الله وسلمه إلى عدوه أذله الله وسلط عليه عدوه الذي أمره أن يتسلط هو عليه ويذله ويقهره فصار بمنزلة من سلم نفسه إلى أعدى عدو له يسومه سوء العذاب وقد كان بصدد أن يستأسره ويقهره ويشفي غيظه منه فلما ترك مقاومته ومحاربته واستسلم له سلط عليه عقوبة له قال الله تعالى : ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين أمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون ) . فإن قيل : فقد أثبت له على أوليائه هاهنا سلطاناً فكيف نفاه بقوله تعالى حاكياً عنه مقرراً له : ( وقال الشيطان لما قضى الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ) ( إبراهيم : 22 ) . وقال تعالى : ( ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك ) ( سبأ : 20 - 21 ) . قيل : السلطان الذي أثبته له عليهم غير الذي نفاه من وجهين : أحدهما أن السلطان الثابت هو سلطان التمكن منهم وتلاعبه بهم وسوقه إياهم كيف أراد بتمكينهم إياه من ذلك بطاعته وموالاته والسلطان الذي نفاه